طريقي (قصة قصيرة)

 


كان الضباب كثيفا ... أكاد لا أرى شيئا... شعرت بأن من الحكمة أن أتوقف قليلا وأن أتابع المسير فيما بعد... ولكنني لم أتوقف... كنت متلهفا للوصول الى بيتي... لأرى زوجتي وأبنائي ... كنت قد طلبت من زوجتي أن تعد لي طبقي المفضل... وهي طيبة... لابد وأنها تنتظرني... ربما تناول أطفالي عشاءهم وأووا الى فراشهم... ولكنها ستنتظرني بلا شك... وأنا سأصارع هذه الرياح حتى أصل اليهم... فلم يكن التراجع يوما من شيمي.

أين أنا؟! يبدو أني سلكت مسربا خاطئا ... كان يجب أن أولي الطريق إهتماما أكبر.. فالعشاء سينتظر ... لابأس.. سأعود قليلا وأسلك المسرب الاخر.. وكأن المطر يريد أن يثنيني عن الرجوع ... هطل بغزارة يضرب الزجاج .. ولكني إستدرت وعدت.. وما أن إنقضت بضع دقائق حتى لاح لي خيال يقطع الطريق أمامي.. أبطأت قليلا رغم أني بالكاد أسير.. وإذ به رجل عجوز تدفعه الرياح في غير إتجاهه.. فضول عجيب دفعني الى مراقبته.. ما الذي أخرجه من بيته في هذا الوقت؟! إنتظرت قليلا حتى دخل إحدى البنايات... ثم عاودت مسيري .. لا أدري لماذا لم تفارقني صورته.. ورأيت نفسي عجوزا أقطع الطريق....

صوت إرتطام السيارة بحفرة أيقظني ... شرود تفكيري يدفعني الى عدم التركيز .. لا بد أن أتابع المسير بحرص أكبر... تذكرت زميلي.. أخبرني بأن هناك عاصفة قادمة ولكني كنت منهمكا في عملي ... رددت عليه بإيجاز.. "سأغادر بعد قليل".. و لا أدري كم دام هذا القليل .. كانت الشمس مشرقة حين غادرت هذا الصباح .. كيف كان لي أن أتوقع هذه العاصفة!

وفجأة أضاءت الدنيا أمامي ... برق قوي ... لم أكن يوما ذلك المؤمن ولكني نطقتها بصدق .."يا رب!".

أضواء بدأت تتراءى لي .. ورويدا رويدا ..لاحت لي سيارة .. إذن هناك من هو مثلي .. لا بد وأنه كان منهمكا في عمله أيضا.. إستأنست بوجوده و سرت وراءه الى أن أنعطف الى طريق أخرى .. غير طريقي.

كان البرد شديدا ..أشعلت المروحة لأحصل على بعض الهواء الساخن ولكن مصابيح السيارة خفتت إضاءتها.. كان لا بد لي أن أختار .. فاخترت أن أشعر بالبرد! بدأت الرؤية تتضح أكثر فأكثر ولكن الامطار كانت لا تزال غزيرة ... سيارة أخرى أمامي.. كنت أظن أني المناضل الوحيد ولكن الضباب كان يخفي الكثير ... سرت وراءه ... لم يبق الا القليل ثم سيكون عليه أن يتابع وحيدا ...

موقف سيارتي ينتظرني .. أطفأت السيارة ونظرت الى بيتي المضاء ... زوجتي لازالت تنتظرني .. تنهيدة حارة إنطلقت دون أن أشعر بها ... ما أشبه طريقي هذه .. بحياتي!

إيمان نيروخ
3/2004