باسمك نحيا - اسم الله الودود

 


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله . نعيش اليوم مع اسم الله الودود. هو اسم مُحبب إلى القلوب، اسم يُسعدك، اسم مرتبط بالحنان والرحمة والعطف والحُب، ونستشعر الإحساس بهذا الحنان وبهذا القرب والحُب لأنه يذكرنا باسم الله الودود.

اسم الله الودود جاء في القرآن الكريم مرتين، الأولى في قول الله تبارك وتعالى (( وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ )) (البروج 14- 15)، والثانية في قول الله تبارك وتعالى (( ... إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ )) (هود 90). حقيقة اسم الله الودود خاصة من الأسماء التي تشعرك بالقرب الشديد من الله سبحانه وتعالى.

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

حلقة اليوم مكونة من أربع محاور:

· المحور الأول: معنى اسم الله الودود.

· المحور الثاني: ما الفرق بين الود والحُب؟ ولماذا اسمه تعالى الودود وليس الحبيب؟

· المحور الثالث: مظاهر ود الله تبارك وتعالى لنا في كل ما حولنا.

· المحور الرابع: كيف نحيا بهذا الاسم؟

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

ما معنى كلمة الود؟

كلمة الود تجدها في أي مُعجم بمنتهى الوضوح بمعنى الحب والحنان. يجب أن تعلم بأننا نتحدث عن اسم اختاره الله تبارك وتعالى لنفسه، يُعامل به عباده. هل أنت مُدرك لذلك؟ ما الذي جعل الله يختار لنفسه هذا الاسم.. الودود؟

قالوا العلماء في معنى الودود: انه أصفى الحب وأنقاه.. أعلى درجات الحب. وأصفى الحب الذي ليس فيه حِقد. تستطيع أن تُحب ولكن في نفس الوقت ربما تجد نفسك قد حقدت على هذا المحبوب، أما الله تبارك وتعالى فـ حاشا وكلا، فالله أصفى الحب وأنقاه. وقالوا ودود: الذي يتودد ويُحب أولياءه وأنبياءه وعبادهُ الصالحين. وقالوا الودود: الذي يُحَب وهنا العكس.. فهو الذي يُحبه عباده الصالحين من ملئ قلوبهم، فيملئ حُبه سمعهم وبصرهم وقلوبهم وجوارحهم ودمائهم وأرواحهم فيكون أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وكل ما في الأرض، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه حديث النبي (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ذاق طعم الإيمان).

إذن نقول أن الودود سبحانه وتعالى، وكونه أيضاً في معنى اسم الله الودود: الذي تقرب إلى أولياءه وتحبب إلى أولياءه بالقرب منهم، وتحبب إلى المذنبين بالرحمة والمغفرة، وتحبب إلى الخلق كل الخلق بالعطاء والرفق في الكون. الودود سبحانه وتعالى الذي يتودد إلى عباده بالحنان والعطف والحب، فيحنوا عليهم ويُحبهم ويُعطيهم. أنت المُخاطب بهذا الاسم.. هل لك أن تتخيل ذلك؟!

كل واحد منا له أشخاص في حياته ودودين وتعلق بهم.. أليس كذلك؟ ولله المثل الأعلى. فما بالك بالله الذي من أسماءه الحسنى الودود؟ هل تذكرون هذا الحديث؟ (ما السماء الأولى في السماء الثانية إلا كحبة في صحراء وما الثانية في الثالثة إلا كحبة في صحراء وما الثالثة في الرابعة إلا كحبة في صحراء وما الرابعة في الخامسة إلا كحبة في صحراء وما الخامسة في السادسة إلا كحبة في صحراء وما السادسة في السابعة إلا كحبة في صحراء وما السابعة في العرش إلا كحبة في صحراء وما العرش في الكرسي إلا كحبة في صحراء، وسع كرسيه السموات والأرض). ما حجمك إذن في هذا كله؟! بالتأكيد صغير جداً ولكنه سبحانه وتعالى يُحبك وقد سمى نفسه الودود.. هل تتخيل ذلك؟

عليك أن تعرف أن ما نقوله الآن هو عقيدة.. كيف؟ كما توقن أنه الخالق سبحانه وتعالى وتؤمن به، لابد أن توقن يقيناً تاماً بأنه الودود، وتكون عقيدة ثابتة في قلبك أن الودود سبحانه وتعالى الذي يُحب عباده ويحنوا عليهم، ولذلك تجد اسم أخر وهو "الحنَّان"، وقد ورد في بعض الأحاديث ووردت إشارة له في القرآن (( وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا... )) (مريم 13). يجب أن تشعر بأن الله يحبك ويتودد إليك، فتصبح عبد الودود.

أتذكرون هذا الحديث؟ (ما في شبر في السماء إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد إلى يوم القيامة، فإذا قامت الساعة قاموا من عبادتهم يقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك). أرأيت؟! ومع ذلك يتودد إليك سبحانه وتعالى رغم أنك صغير جداً في مُلكه وهو الغني عن عبادتك، فهناك من يعبده أكثر منك كالملائكة، لكنك مخلوق غالي على الخالق، فسمى نفسه الودود ويتودد إليك سبحانه وتعالى.

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

ما الفرق بين الود والحُب؟

الود أشمل وأعم وأكبر من الحب.. كيف؟ الحب هو المشاعر الداخلية ما تُكنه في قلبك للآخرين. الود هو التعبير عن هذه المشاعر بالأفعال. لماذا لم يسمي نفسه الحبيب؟ لأن الود أشمل. ألنا كل ذلك يا رب..؟ نريد أن نستشعر بشيء من الحياء والخجل أو بشيء من الحب الشديد لله تعالى عند سماع اسم الله الودود. الحب مشاعر داخلية والود تصرفات وأفعال. الحب إحساس داخلي والود ترجمة وتحويل المشاعر الداخلية لأفعال وتصرفات. ولذلك أنا أُكن لك مشاعر جميلة.. هذا حب، ولكن عندما ابتسم في وجهك أو أعطيك هدية.. فذلك ود. ولله المثل الأعلى فهو الذي سمى نفسه "الودود".

إذن فكل ودود مُحب وليس كل مُحب ودود. ولله المثل الأعلى. هناك حديث واضح جداً يبين لك هذا الفرق (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل، يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه - لماذا؟ لأنه الودود سبحانه وتعالى – فينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) ما شعورك الآن بالودود؟؟

ما الفرق بين الودود والرحيم والغفور والتواب..؟ ربما يشعر البعض أن هذه الأسماء متقاربة ولها نفس المعنى... بل الفرق كبير واشرح لك بمثل.

الإنسان مخلوق ضعيف، احتياجاته لا تنتهي. محتاج للطعام والشراب، فيتجلي الله عليه باسمه الرزاق.. أليس كذلك؟ محتاج للحماية والحفظ، فيتجلى الله عليه باسمه الحفيظ. محتاج للتربية والإصلاح، فيتجلى الله عليه باسمه الرحيم. محتاج للتعليم والفهم، فيتجلى الله عليه باسمه الفتاح العليم. محتاج قوة وعزة، فيتجلى عليه باسمه العزيز. كل ذلك يحتاجه، ولكنه يحتاج إلى شيء هام جداً ألا وهو الحنان والعطف. فالله تبارك وتعالى تجلى عليه بالرحيم والكريم والرزاق والعزيز، ولكنه مازال يحتاج لشيء أخر.. فتجلى عليه باسمه الودود. أرأيت كم هو عليم باحتياجاتك؟ فاحتياجاتك المادية.. الرزاق، واحتياجاتك الروحية.. الودود سبحانه وتعالى.

هل تعلمون احتياجات الطفل من والديه؟ ولله المثل الأعلى.. يحتاج أن يُعلّموه ويُربوه ويصرفوا عليه الأموال ويُلبسوه ويُطعموه.. أهذا كافٍ؟ بل يحتاج لشيء أخر اسمه الحنان والعطف. يقولون علماء النفس بأن الطفل يمتلئ ثقة في نفسه عندما يقول له أبيه "إني لأحبك"، ويمتلئ حنان وفرحة عندما تقول له أمه "إني أحبك".. ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى.

الله سبحانه وتعالى جعل الكون كله قائم على نظام الأب والأم في حياتنا.. ليس فقط للتربية ولكن لهدف معرفة الله عز وجل. لذلك يقول النبي دائماً (لللّه أرحم بكم من الأم الشفيقة بولدها). وكأن هذا النموذج لتِعرف به كيف يحبك الله.

يقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: " لو قيل لي يوم القيامة سنطلق حسابك لأبيك وأمك لرفضت، لأن الله سيكون أرحم بي من أبي وأمي "

هذه الكلمة لمن يعرف الودود حقاً كسيدنا علي، فهو يعيش مع أسماء الله الحسنى ويعرفها جيداً.

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

الودود يتودد إليك بطريقتين:

1- الود العام

ود لكل البشر مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم وغير مؤمنهم، فاجرهم وعاصيهم.. لماذا؟ لأنه الودود سبحانه وتعالى، ثم ود خاص للمؤمنين.

انظر إلى الكون وخلق الله في كونه، فكلما نظرت في صفحة الكون لوجدت دلائل تودد الله تبارك وتعالى إليك. الشمس، القمر، الأنهار، البحار، الورود.. وكل هذه الأشياء لها وظائف لديمومة الحياة، ولكن نفس هذه الأشياء جعل الله فيها دلائل وده. كان من الممكن أن تكون هذه الأشياء جافة وصماء، ولكن انظر إلى الودود ماذا يفعل مع كل عباده. هل تذكر الشمس وقت العصر، والجلسات الطيبة..؟ أتذكر الشمس وقت الشروق؟ أتذكر الشمس في لحظة الغروب وما تفعله في القلب..؟! ما وقع في القلب هذا هو من الودود سبحانه وتعالى.

الليل له دوره.. ليرتاح الناس وينامون، ولكن انظر إلى الودود (( وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى )) (الضحى 2) فالليل يأتي بنسماته العليلة ويجلس الناس يتسامرون فيه، ويخلوا الحبيب بحبيبه في لحظات الليل الرقيقة الجميلة. كان من الممكن أن يكون ليلاً مُظلماً موحشاً.. ولكنه الودود سبحانه.

اسم الله الودود تجده أمامك دائماً، وانظر إلى هذه الآية الكريمة (( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً )) (الفرقان 45)

بماذا يعبر هذا الظل..؟ يعبر عن الود من الله سبحانه وتعالى، فقد جعله من أجلك. وقد جاءت هذه الآية في سورة الفرقان، وسورة الفرقان تتحدث عن إيذاء الكافرين للنبي وكيف أن الله تبارك وتعالى ودود ورحيم به وليعلمه مثلما أن الكون ودود به، سيكون الله تعالى ودود به.

هناك ملايين الأنواع من الأسماك.. كم نوع منها يؤكل..؟ قليل.. ولما الباقي؟! زينة ومناظر جميلة! انظروا إلى الكون بطريقة جديدة.. الودود سبحانه وتعالى. الأزهار التي لا تؤكل.. لماذا؟ من أجل الشكل الجميل والرائحة ومن أجل صناعة العطور، فكلما رأيت وردة تذكرت الودود سبحانه وتعالى. هناك ملايين الأنواع من الطيور.. كم نوع منها يؤكل..؟ قليل جداً.. والباقي؟! من الودود سبحانه وتعالى. جعل الله لك مئات الأنواع من الفاكهة وبألوان مختلفة.

أعطيك مثل ولله المثل الأعلى. عندما تكون معزوماً عند شخص في بيته ووضع لك على مائدة الطعام الأرز واللحم والماء.. ألم يكرمك؟ ألم يضيفك؟ نعم، ولكن فرق كبير أن تذهب لبيت أخر وتجد فيه على مائدة الطعام كل ما لذ وطاب وعشرة أنواع من الفاكهة وورود وعطور. فالأول قد أطعمك وأما الثاني تودد إليك.

يجب عليك أن تُعيد النظر في الكون بوسعه مرة أخرى ولتعلم أنه مسجد كبير حتى تعرف الودود سبحانه وتعالى وتتودد إليه.

2- الود الخاص

ليس للأنبياء فقط وليس للشهداء فقط، بل الود لعباده المؤمنين. واستمع إلى هذه الآية التي ستجعلك تذوب شوقاً للودود سبحانه وتعالى.. (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً )) (مريم 96). إن تؤمن وتعمل الصالحات سيكون لك ود خاص، وكلمة "سيجعل" هنا ممتدة. سيجعل في الدنيا؟ نعم.. سيجعل في القبر؟ نعم.. سيجعل يوم القيامة؟ نعم.. سيجعل في الجنة..؟ نعم.. الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم يقل الشهداء ولم يقل الأنبياء.

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

مظاهر ود الله تبارك وتعالى

1- مع النبي : أتذكرون كيف كان غار حراء؟ هو جبل ولكنه على شكل حُضن. أتذكرون أول شيء فعله جبريل عليه السلام مع النبي ؟ ضمهُ بالحُضن شوقاً. أتذكرون عندما تعرض النبي لإيذاء شديد؟ فتنزل الآية الكريمة تقول له ((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا...)) الطور48 أنت مُحاط برعايتنا.. أليست وداً؟ وعندما مات ابنه ، فقالوا مُحمد ابتر، فينزل قرآن مخصوص لرسول الله (( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ )) (الكوثر1-3)

خرج من مكة، فيبكي لفراقها، فينزل القرآن (( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ...)) (القصص 85). فالود مُتصل.

يُؤذى النبي الأكرم ويُجرح يوم غزوة أحد ويموت سبعون من الصحابة، وقلوب بقية الصحابة مجروحة، فينزل القرآن الكريم كله ود ورحمة وحنان (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )) (آل عمران 139-140). فماذا تسمي هذه الآيات غير أنها وداً وحناناً (( وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا... )) (مريم 13)

انظر إلى النبي عندما تأخر عنه الوحي ستة أشهر، وبدأت قريش تضحك وتقول: رب مُحمد قلاه – ودّعه – والنبي يتألم ألم شديد، فتنزل سورة كاملة من القرآن ((وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى )) (الضحى 1-7)

أريدك أن تتخيل حبيبك وهذه الآيات تنزل عليه من رب العالمين مالك المُلك.. ما هو شعوره ؟! . كلمة "ألم" تُذكر ثلاث مرات، وانظر إلى الود في كلمة " فآوى" وكأنها حُضن رقيق، وانظر إلى السورة وقد بدأت بالضحى والليل، فأراد الله تعالى أن يضرب له مثل بالكون في أفضل لقطات الود التي فيه، وأقسم بالليل في لحظات الصفاء الرقيقة وليس بالليل الموحش. اقرأوا سورة الضحى واستشعروها جيداً وراجعوا تاريخكم وما فات من حياتكم لتعرفوا الودود، وأن الود في الكون مرتبط بالود في حياتنا.

ليس هذا فقط.. هناك سورة أخرى (( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ )) (الشرح 1). انظر إلى الود في قلبك كيف هو من الله سبحانه وتعالى. كم مرة بكيت؟ كم مرة خشعت؟ كم مرة قلت له أحبك يا الله؟ كم مرة أحسست بالقرب والحنان..؟ من لم يشعر بذلك فهو إما أنه سبحانه وتعالى يتودد إليك وأنت لست منتبهً لذلك وهذه مشكلة، وإما أنه لا يتودد إليك لأنك لا تستحق، فهذه مُصيبة.

الودود يحبك أن تذهب إليه، تُكلمه. هناك فرق بين الدعاء والفضفضة وأن تشكوا إلى الله همك، لأنه الودود سبحانه وتعالى. عندما تُحب إنساناً ويكون مُتعباً.. ماذا يفعل؟ يقول لك سآتي لأشتكي إليك ولا أريد منك شيئاً غير الفضفضة.. ولله المثل الأعلى. فهل جربت أن تذهب إلى الله الودود سبحانه وتعالى..؟ هذا المعنى هام جداً والكثير من الناس لا يلتفتون إليه.

تكلم مع الودود سبحانه وتعالى وأنت مستلقي على فراشك، واشتكي إليه واستشعر قربك منه، فهذه عبادة رقيقة جداً، وما إن تفعلها إلا وتجد حلاوة في قلبك عجيبة، هذه الحلاوة تعرف أنها من الودود سبحانه وتعالى.

سيسألني البعض أين أصل هذه العبادة؟ سأخبرك على أصلها من القرآن.

2- أم مريم وزوجة عمران. هي تريد أن تنجب ذكراً يُحرر المسجد الأقصى وهذه أمنيتها.. انظر معي إلى هذا الحوار وهذه المناجاة في سورة آل عمران ((... رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً – خالص لك وحدك ومحرراً من أي قيود - فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ )) (آل عمران 35-37). فكانت الأم صادقة في العلاقة وكانت قريبة ومتصلة بالودود.. وكانت تناجيه سبحانه وتتساءل.. هل تستطيع هذه البنت أن تفعل شيئاً من أجل الدين؟ فهي ليست كالذكر، ومن الذي سيربيها وأنا عجوز؟ فانظر معي إلى هذه الآيات التي تود هذه المرأة التي ذهبت إلى الودود لتكلمه بصدقٍ (( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً )) (آل عمران 37).

3- انظر إلى أيوب عليه السلام عندما أصابه المرض ((... رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) (الأنبياء 83) وانظر إلى الآية التي بعدها (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ... )) (الأنبياء 84) أين الدعاء؟!

4- (( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )) (الأنبياء 87) وانظر إلى الآية التي بعدها (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ...)) (الأنبياء 88) أين الدعاء؟!

هذه العبادة وهذه المناجاة تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى باسمه الودود، فهو يحب أن يسمعك ويحب أن تذهب إليه. هل تستطيع أن تفعل ذلك وتذهب للودود بهذه الطريقة؟؟

انظر إلى النبي يوم الطائف لما ضُرب وأوذي يقول (اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب العالمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي) أين الدعاء؟!

ما هذا إذن..؟ هذا مناجاة، تُكلم الله فيها وتشكوا إليه.. ذاهب للودود. نريد أن نمارس هذه العبادة ونعلمها لأولادنا كيف يعبدوا الله ويتوددوا إليه بها.

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

الودود مع عباده

(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً )) (مريم 96) (( وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ )) (البروج 14- 15). أكثروا من الصالحات وانتظروا الود الجميل من الودود. أي تشريف أكثر من ذلك..؟!

استمع لهذه الآيات وهذه الأحاديث التي تعرفك بالودود سبحانه وتعالى في أمور كثيرة. يقول الله تبارك وتعالى (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )) (المائدة 54) وبدأ بنفسه سبحانه وتعالى.

اسمع حديث النبي (إن الله تبارك وتعالى يُنادى يوم القيامة: يا آدم إن الله يأمرك أن تُخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيقول آدم: يارب وكم بعث النار، فيُقال له من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعندما قال النبي هذا الحديث، غطى الصحابة وجوههم وسُمع لهم صوت بكاء، فدخل النبي بيته فنزل جبريل. يقول لك الله: لما تُقنط عبادي.. اخرج إليهم فبشرهم، فخرج النبي فقال: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، وإني لأرجوا أن تكونوا رُبع أهل الجنة، فكبرنا.. فقال النبي: وإني لأرجوا أن تكونوا ثُلث أهل الجنة، فكبرنا.. فقال النبي: وإني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة). الودود يحب أن يستبشر عبادة ويفرحوا.

يقول النبي (عُرضت عليّ الأمم يوم القيامة، فرأيت النبي يأتي ومعه الرجل، ورأيت النبي يأتي ومعه الرهط، ورأيت النبي يأتي وليس معه أحد، ثم رُفع إليّ سوادٌ عظيم – أي عدد كبير من الرؤوس – فقلت أمتي أمتي، فقيل لي لا، هذا موسى وقومه. ولكن انظر إلى الطرف الأخر، فنظرت فإذا سواد يسُد الأفق، فقيل لي هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال النبي فاستزدت ربي فزادني على كل ألفٍ سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب)

يقول النبي (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله..) فهنيئاً لك من الودود، فهذه العين حُرّمت على النار.

اسمع لهذا الحديث القدسي (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) تعود أن تذكر الله..

(( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )) (البقرة 152)

( من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملئ، ذكرته في ملئ خير منه ) أليس ودوداً..؟؟

يأتي أحد الصحابة للنبي ، اسمه عثمان بن أبي طلحة ويقول له: يا رسول الله أشتكي من وجع في جسدي، فيعلمه النبي أن يكون بينه وبين الله علاقة قريبة، فقال له النبي: ضع يدك على مكان الوجع وقل باسم الله ثلاث مرات ثم قل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات. يقول ظللت أفعلها فذهب عني الوجع، ووالله من يومها وأنا أعلمها لأهلي ولكل من أعرف.

كان يجلس النبي يوماً في بيته، فقام وذهب إلى المسجد ليجد مجموعة من الصحابة يجلسون، فقال لهم: ما أجلسكم؟ فقالوا جلسنا نذكر الله يا رسول الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا هذا؟ قالوا آلله ما أجلسنا إلا هذا. فقال النبي: إني لم أسألكم تُهمة لكم، ولكن بلغني أن الله يباهي بكم الملائكة. أرأيتم كيف يحبنا الودود..؟؟

اسمع الودود سبحانه وتعالى وهو يقول (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) أرأيتم؟!

وفي الأثر (يا داوود لو يعلم المدبرون عني شوقي لعودتهم ورغبتي في توبتهم لذابوا شوقاً إلي. يا داوود هذه رغبتي بالمدبرين عني فكيف محبتي للمقبلين علي)

الودود يعاتبك بود (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ )) (الحديد 16). فعتابه ليس مؤلماً.

الودود سبحانه وتعالى مع النساء في الحجاب (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ – بقربهم مني - فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً )) (الأحزاب 59). فالحجاب دليل على قربها من الله فلا يتعرض لها أحد بسوء. هل فكر أحد في الحجاب بهذا الشكل..؟ لو فهمتي الحجاب بهذا الشكل لذبتِ شوقاً إلى الحجاب من الودود سبحانه وتعالى.

الودود الذي غرس في كل قلوبنا الود بيننا وبين بعض.. أليس كذلك؟؟ الجلسات النقية الطاهرة التي تجمع بين الأصدقاء. الجلسات العائلية والفرحة التي تغمرهم وأولادهم بينهم. أليست من الودود سبحانه وتعالى؟

فترة الخطوبة والعقد.. لهفة الاثنين على بعض (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً...)) (الروم 21). أليست هذه من الودود سبحانه وتعالى؟

ابحث في الكون، ابحث في حياتك الشخصية، ابحث في القرآن.. ستجد الودود في كل مكان يُناديك ويدعوك إلى محبته سبحانه وتعالى.

دموع الأم وهي تودع ابنها للسفر.. أليست هذه من الودود؟

العُمرة.. قالوا سميت العُمرة بهذا الاسم لأنها زيارة تُعمّر الود بينك وبين الله سبحانه وتعالى ولإعمار الود بين العبد وبين الله تعالى.. أليست العُمرة من الودود؟ ألا تلاحظ أن ما تردده حتى تصل إلى الكعبة هو " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك " يقول أحد التابعين أثناء كلمات التلبية " طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك ".

رؤية الكعبة تجعلك تشتاق إليها ويهفوا قلبك حباً لها، فما بالك بالنظر للودود سبحانه وتعالى يوم القيامة؟! (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )) (القيامة 22-23)

( إنكم سترون ربكم كما ترون البدر في ليلة التمام ).

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

الودود في الجنة

· يقول النبي على أهل الجنة (قلوبهم قلب واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض)، كمال الود. في الدنيا أنت تريد شيئاً وأنا أريد شيئاً أخر، وأما في الجنة فـ لا.

· الودود في الجنة: يشتاق الأخ إلى أخيه في الجنة، فيُقرب الله سرير هذا من سرير هذا، فيقول الأخ لأخيه: أتذكر متى غفر الله لنا؟ فيقول له نعم، يوم كذا وكذا. فالآية الكريمة تقول (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ )) (الطور 21) أليس ذلك من الودود..؟

· هل عرفت الآية التي تتكرر كثيراً في القرآن من الودود؟ (( عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ )) (الحجر47).

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

كيف نحيا باسم الله الودود؟

1- اذهب إلى الله بمنتهى الحب وأملئ قلبك بحبه (أحبوا الله من كل قلوبكم).

2- كُن على يقين شديد بأن الله يتودد إليك فلا تنسى ذلك.

3- كُن ودوداً مع الناس، مع زوجتك، مع عائلتك، مع طلابك إن كنت مدرساً، مع موظفيك إن كنت صاحب شركة. إن كنت ضابط شرطة كُن ودوداً مع الناس وعاملهم برقة وعطف.. تعلم من نبيك الود مع الناس، تأتيه قبيلة أسلمت أسمها أسلم، فيقول أسلم سالمها الله.. اختار الكلمات الودودة. يأتيه قبيلة اسمها غفار، فيقول غفار غفر الله لها. يأتيه أهل اليمن فيقول لهم يأتيكم أهل اليمن أرق أفئدة. يأتيه عكرمة بن أبي جهل، فيقول لهم يأتيكم عكرمة فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت. هل تستطيع أن تكون ودوداً بهذه الطريقة..؟

سيدنا علي بن أبي طالب يذهب ليدعوا قبيلة همدان في اليمن فيسلموا على الفور، فيقول لهم كلمات رقيقة جداً، فقول: ولو كنت بواباً على باب جنةٍ، لقلت لهمدان ادخلوا بسلام. هل تستطيع أن تكون ودوداً بهذا الشكل؟

انظر إلى النبي وهو يتودد للجماد، يقول: أُحد جبل يُحبنا ونُحبه، ويمسح عليه ويقول له: أثبت أُحد فإن فوقك نبي وصديق وشهيدين.

>>>>>>>>>>>>>>>>>><<<<<<<<<<<<<

أعدها: حسن أبو زيد
Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة